حكي ثقيل شوية – فلسطين غائبة في صوت العرب الغائب خلال “الملتقى الثالث للمدونين العرب” في تونس

رأي

مقاعد المدونين والمدونات الفلسطينيات الغائبات عن اللقاء في تونس

 

 

 

 

 

 

 

انتهى لقاء المدونين العرب. لم يغب المدونون الفلسطينيون جسديا عن الملتقى الثالث للمدونين العرب فحسب، بل يمكن التساؤل عن مدى حضور الصوتين العربي والفلسطيني الفاعلين أيضا، وذلك عبر سؤال تنسيق فعلي بين مدونين عرب لإسناد الثورات العربية في هذا الوقت بالذات. وهذا نقاش في الموضوع.

يصدر المدونون العرب بيانا يحدد خياراتهم إلى جانب كل الثورات ويسجلون مواقف هنا وهناك. وثمة تضامن حدث مع منع الداخلية التونسية المدونين الفلسطينيين من حضور اللقاء، وحدث نوع من التواصل عبر “السكايب” مع عدد من المدونين الفلسطينيين، وحدث اعتصام صغير. وخصصوا يوما للتدوين لفلسطين، وأصدر المدونون بيانا في الموضوع يستنكر منع الداخلية التونسية للمدونين الفلسطينيين من دخول تونس. هذا في الروحية العامة المتضامنة حقا مع فلسطين. الموضوع ليس هنا.

هل هذا الغياب الفلسطيني موضوع عابر للقاء المدونين العرب في هذا الوقت؟

المدونة التونسية وجد التي دعت إلى مقاطعة اللقاء إثر منع الداخلية دخول المدونين الفلسطينيين عبّرت، بالروحية، عن هذا الجرح العربي، وفي بلد الثورة التونسية الذي أطلق شرارة الثورات العربية، وفي هذا البلد الذي ترك فيه الفلسطينيون شهداءهم في حمام الشط بعدما لم يعد للفلسطينيين مكان بالقرب من فلسطين في بلاد أنظمة “الطوق” على فلسطين ذاتها..

وتابع مدون عرافي احتجاجاته على مدونته.

نسأل هذا السؤال لأن العرب وسط ملحمة، ولأن فلسطين تمرّ في منعطف جديد. يوميا ثمة حراك فلسطيني جديد ومواجهات مع الاحتلال على الحواجز الإسرائيلية، مع الشبيحة المستوطنين، داخل سجون الاحتلال، في النقب حيث الترانزفير يستمر، وفي الجليل حيث يتكثف الاستيطان.

بالطبع، اللقاء لم يكن نحو تنسيق عملي ثوري بين المدونين العرب في زمن الملحمة العربية القائمة. وهنا بيت القصيد. الداعون الدوليون إلى التجمع، مؤسسة “هينريش بول” و”غلوبال فويسس”، لم يقترحوا مواضيع عمل وتنسيق فعلي وسط ثورات عربية مشتعلة باتت في أمس الحاجة إلى بعضها البعض، وذلك على الرغم من أهمية اللقاءات والتعارف وتبادل التجارب والأحاديث التقنية أيضا وأيضا ومن بدأ الثورات ودور ويكيليكس. ولا يمكن العتب عليهم أو التوقع منهم أكثر من ذلك، بل تسجل لهم مبادرتم في جمع مدونين. التوقع هو من المدونين العرب أنفسهم.

فهذا ليس مؤتمرا أكاديميا يحضره أساتذة جامعات على أهمية كل شيء. قليل من التحليل ينعش الروح، أما كثيره فتصبحون على خير. قال مدون عراقي “كيف روضتنا المعرفة على اعتياد الجريمة”.

هذا هو اللقاء السنوي الثالث. وهذا هو اللقاء وسط الثورات العربية، فهل يكفي التعارف وتبادل الخبرات؟ نسأل بايجابية ونعض على الجرح. سؤال فلسطين يأتي في سياق هذا السؤال العملي للمدونين العرب أنفسهم الذين كان لهم دورا بارزا في المراكمة من أجل هذه الثورات. المدوّن التونسي زهير يحياوي الذي سأل في مدونته TUNeZINE “هل تونس جمهورية أم مملكة أم حديقة حيوانات أم سجن؟”، فاعتقلوه ثم أفرج النظام التونسي عنه ليموت في 13 آذار 2005 بعد سجنه وتعذيبه، هو واحد من هذه العلامات الفارقة في نشاط مدونين مناضلين تمهيدا للثورات العربية. المدون المصري مايكل نبيل مضرب عن الطعام في سجنه، والمدونون السوريون يتحركون بين شبيح وعين قنّاص. والمدونون البحرينيون حدث ولا حرج. في هذا السياق، يبدو أن تنسيقا فعليا بين المدونين للعمل على الإفراج عن زملائهم المعتقلين والمطاردين هو أضعف الإيمان.

***

شامنا ويمننا: مرحلة جديدة

تبدأ الثورات العربية مرحلة جديدة من تنسيق الثورات العربية مع بعضها البعض. جمعة الشام واليمن المشتركة تحث على التفكير أكثر بطرق تنسيق مشتركة، والحدث الفلسطيني يطرح أسئلة جديدة على العرب. وهما قضيتان أساسيتان في ملحمة الثورات العربية المستمرة.

صحيح أن لكل من الثورات العربية قضاياها المتعلقة أساسا بالحرية والكرامة والعدالة في كل بلد، لكن تونس فمصر فليبيا فالبحرين فاليمن فسورية فالأردن فالمغرب فالجزائر فلبنان فعُمان فالعراق فالسعودية فالسودان… ففلسطين، التي شهدت جميعها تحركات وإن تفاوت حجمها لكنها كلها قدمت إصرارا، مسيرات، معتقلين، وتوقا إلى الحرية، وهتاف “الشعب يريد…”، وكل عين تنظر إلى جارتها بلهفة وترقب. فلا نظن أن أي مدون في لقاء مدونين عرب يحتاج للتساؤل إن كان ثمة ضرورة لفعل تدويني عربي جامع.

في البدايات، قيل الكثير، إن ثمة ذكاء في تركيز كل ثورة على قضاياها بداية بدلا من فتح جبهات كثيرة في آن واحد. ثمة ما هو صحيح في ذلك.

مع التطورات، وجد إيقاع الثورات في كل بلد أنه لا بدّ من الانفتاح أكثر على قضايا أخرى، وعلى إسناد ثورات أخرى. أي ثورة معزولة قد يقضى عليها. تونس لوحدها، بلا ثورة في مصر وبلا أخرى في ليبيا، لربما كان مصيرها أكثر صعوبة بل وربما يقترب مصيرها مما حدث في البحرين لدى استفراد أنظمة مجلس التعاون الخليجي بثورتها.

كل ثورة تعلم أن الثورة الأخرى سند لا يستهان به، وإن لم تتابع الثورات فإن الثورة المضادة ستكون أقوى، لا سيما أن أي من الثورات لم تصل بعد إلى ثورة مكتملة.

كان الهلع أصاب أول من أصاب إسرائيل، ثم السعوية، ثم الدول الغربية التي ساندت بن علي في تونس حتى النهاية إلى أن أيقنت أن عليها أن تلحق بالثورات لتقليل حجم الخسائر واحتواء ما تستطيع احتواءه.

كان حراكات شعبية في كل بلد تبدأ بـ”التحمية” عبر التضامن مع ثورة بلد أخر، وكأنها أيضا تتدرب، وتجس النبض من أجل بدء ثورتها. حدث ذلك بشكل واضح في سورية إذ بدأت الاعتصامات أمام السفارات التونسية والمصرية ثم الليبية لتمنهد لانطلاقة الثورة السورية.

وظلّ الجميع يتساءل عن مصر والعلاقة مع إسرائيل. انفجر أنبوب الغاز المصري أكثر من مرّة، اضطر المجلس العسكري إلى تقديم مبارك للمحاكمة وعلى خلفية بيع الغاز المصري إلى إسرائيل بما يلحق الضرر بالاقتصاد المصري، واضطر إلى تخفيف الحصار عن قطاع غزة وإن ما زال محكما، وأشيع أنه هدد إسرائيل بسحب السفير المصري في تل أبيب في حال صعدّت إسرائيل حربها على قطاع غزة قبل ثلاثة أشهر. حاول المجلس العكسري احتواء ما يستطع، فيما تشدّ الولايات المتحدة والسعودية على كلتا يديهم إلى أن اقتحم المتظاهرون المصريون السفارة الإسرائيلية في تعبير عن كرامتهم الجماعية وإحساسهم بالمهانة الجماعية من جراء السياسات الرسمية، فردّ المجلس العسكري بمثل ما يردّ مبارك، ولوّح بقانون الطوارئ، ثم قدّم شهادته السرية أمام محكمة مبارك، وكأنه يقول إن التغطية على إسرائيل والقمع الداخلي هما توأم.

الأسبوع الماضي شهد نقلة نوعية جديدة إذ توّج بأول تحرك ثوري عربي مشترك بين ثورتين: شامنا ويمننا. اخترقت الثورة الحدود، وزاد هلع الأنظمة. النظام السعودي الذي جهد لقمع البحرين، ونشط في اليمن واستضاف علي صالح وأعاده إلى اليمن، وعرض ضمّ المملكتين الأردنية والمغربية إلى مجلس التعاون الخليجي، وينشط مع المجلس العسكري المصري، انفجر بوجهه التحرك السوري اليمني المشترك الذي أحاط جزيرة العرب من جنوبها وشمالها. 

هذا جانب أساسي من الإيقاع الذي تعيشه الثورات العربية في هذه المرحلة، فما هو دور مدونين عرب مناضلين في هذه المرحلة في تنسيق فعلي من أجل إسناد الثورة السورية، وإسناد الثورة اليمنية (التي لم يحضر عنها مدونون إلى اللقاء)، وإسناد ثورة البحرين التي تحتاج ربما أكثر من غيرها من دعم العرب، عدا إسناد فلسطين، وكل ذلك لإسناد أنفسهم؟ إذا كان لقاء المدونين ببعد عربي، فهل يحتاجون إلى مثل هذه التساؤلات عن ضرورة مرحلة جديدة من التنسيق العملي العميق؟

***

فلسطين والثورت

الانتفاضة الفلسطينية الثانية كانت عاملا مساهما في حراكات عربية مختلفة. يقول كتاب “أوان التغيير” البحثي لمحررته المصرية رباب المهدي، عن حركات التغيير في مصر، إن الانتفاضة الفلسطينية الثانية شكلت بدايات الحراك المصري في الألفية الجديدة. بالطبع، الحراك المصري لقضايا مصرية هو الأساس، لكن لا يمكن الاستهانة أيضا بدور الانتفاضة الفلسطينية. يقول شاب من الحراك الثوري السوري كيف أنه في بدايات الانتفاضة الفلسطينية الثانية جرى إغلاق كلية الفنون في جامعة دمشق، تضامنا مع الانتفاضة من قبل الطلاب، فبدأ النظام حملة اعتقالات. رئيس المجلس الوطني السوري برهان غليون نفسه هو مناضل فلسطيني تاريخي كان هذا النضال الفلسطيني جزءا من توقه لحرية العرب. ونذكر المظاهرات اليمنية الحاشدة المؤيدة للفلسطينيين. في جميع هذه البلدان كان قمع الأنظمة العربية بالمرصاد.

تحتاج الثورات العربية إلى دعم انتفاضة فلسطينية تظل توسع من الحراك الثوري العربي. فهذا الحراك العربي أمامه الكثير في تحقيق الثورات أهدافها داخل كل بلد، لكن من الواضح أنها عملية مستمرة. فلسطين هي عامل مساعد في وصول الثورات العربية إلى أهدافها. ولطالما استنهضت فلسطين العرب بعيدا عن جعجعة الأنظمة الخاوية التي لم تقدم إلا الخطابات والكلمات لفلسطين منذ عقدين، واستخدمت خطاب “إسرائيل” و”المؤامرة” لقمع شعوبها بينما هي خاوية من أي فعل ضد إسرائيل.

مثلما فلسطين هي محفز للعرب، فإن فلسطين بلا العرب لا تكون. هل يمكن تصور أي انتفاضة فلسطينية معزولة عن عمقها العربي؟ الانتفاضتان الفلسطينيتان السابقتان بقيتا معزوليتن. أي حراك فلسطيني جديد، نشم رائحته، سيكشف سياسات الأنظمة القائمة المتواطئة أو بقايا الأنظمة ومحاولات الثورة المضادة في تلك البلدان التي حدثت فيها ثورات. الانتفاضة الفلسطينية ستوسع الطاقات الثورية للشعوب العربية وتوسع قاعدة المشاركين في الثورات، ويقلص من عدد “حزب الكنبة”.

تونس سيدة الثورات، وفلسطين “أم البدايات..وأم النهايات” كما قال محمود درويش. هي الثورة التي لا تهدأ منذ العام 1919. هي الانتفاضات التي تستنهض العرب في ثوراتهم عساهم أن يمدوا يدا إليها.

وفلسطين هي العرب والعالم. لا ينطلق هذا الحديث من المشاعر فحسب، ولا من كل أولئك المناضلين العرب الذين كانت فلسطين قضيتهم وضحوا من أجلها فحسب، بل من جدل واضح أيضا مفاده أن القضية الفلسطينية هي عربية ودولية بنشأتها منذ العام 1917 متمثلة بوعد بلفور، ثم دخول جيوش الأنظمة العربية المتخاذلة أو الخاضعة للانتدابات في سنة 1948، وامتداداتها ومسؤولياتها حتى اليوم. إسرائيل مشروع استعماري هو امتداد للاستعمار ولكنه أخذ شكلا استيطانيا، وهو من أواخر حركات الاستعمار التي لا بدّ أن تزول. بهذا المعني، ليس النزاع فلسطينيا إسرائيليا فحسب، فإسرائيل طالما أعقت نهضة العرب كجزء من استعمار أوسع بألف شكل وشكل، كما أنه لا يمكن للفلسطينيين وحدهم مجابهة إسرائيل المدعومة أميركيا سياسيا وديبلوماسيا وماليا وعسكريا، والتي طالما أعاقت نهضة العرب، ولطالما استخدمت شمّاعة أيضا للقمع الداخلي، وأمدّت المشروع العسكري بمشروعية ما.

أعطت مصر ما بعد إسقاط مبارك أمثلة مباشرة كيف أن التأثير العربي بدأ يأخذ منحى جديدا بعد محاصرة المتظاهرين للسفارة الإسرائيلية، وأعلنت أيضا أن الكرامة المصرية في وجه إسرائيل، ولقضايا مصرية، تتصل بالكرامة الفلسطينية.

بعدما يئس حتى “سادات فلسطين” الرئيس محمود عباس من وضع 99% من الأوراق في السلة الأميركية، فأعلن العودة إلى معايير دولية تكرس الحق الإنساني الذي تقوم عليه فلسطين، فلم يعد ممكن أي أفق عبثي قائم على المفاوضات من أجل المفاوضات، وبعدما قام الشباب الفلسطيني ضد الانقسام الفلسطيني المهين بين سلطتي الضفة وغزة، وبعدما أرسل الشباب الفلسطيني في الشتات رسالتهم المدوية في ذكرى النكية، وانتفض في الوقت ذاته مخيم اليرموك في دمشق ضد أن يستخدم نضالهم أي نظام ديكتاتوري، بعد كل هذا لا يمكن توقع إلا بدايات تحرك فلسطيني جديد ضد الاحتلال بدأ يطل علينا يوما بعد آخر، وهو ما سيفرز أشكال نضال فلسطينية وحركات جديدة لا اتفاقيات فلسطينية موقعة منذ العام 2005 لم ينفذ منها شيء بشأن إصلاح منظمة التحرير.

لا مكان الآن في فلسطين لسادات ولا لملالي ولّى زمنهم، ولا يبدو أن ثمة مفر من نضال فلسطيني جديد بأفق الشعوب العربية والدولية، وهو ما سيعلن عن نفسه بنفسه.  

ندق الناقوس من الآن. أسئلة اليوم تتعلق بكيفية ارتقاء المدونين العرب بمسؤولياتهم وسط هذه الثورات وهو يملكون جانبا من الحكاية وكلماتها. فما المطلوب عمله الآن من قبل مدونين مناضلين بحرية الكلمة، والفعل أيضا. إنه ليس سؤالا جانبيا ولا عابرا، خصوصا أن فلسطين أظلّت وسط لقاء المدونين العرب محاصرة مرّة جديدة، واستفزتهم بسؤالها على طريقتها.

لنكن ايجابيين، ونسأل الآن: كيف ننطلق كمدونين عرب لبدء تنسيق فعلي؟ وما المطلوب؟ ليكن هذا اللقاء تعارفا وتبادلا والخ، وتبادل طاقات ضروري، وليكن محفزا للمدونين العرب كي ينطلقوا بأسئلة نابعة من دواخلنا في الفترة التي نمر بها.

الإجابات ليست سهلة وإن لا تنقصها البداهة. لكن السؤال يلح.

One Comment to “حكي ثقيل شوية – فلسطين غائبة في صوت العرب الغائب خلال “الملتقى الثالث للمدونين العرب” في تونس”

  1. سؤالي المُلح أنا ايضاً
    إذا لم يستطع المدونون وجيل الربيع العربي الذين يتوفر لهم ادوات تواصل تكسر الحواجز ولا تعترف بحدود من إحداث التغيير ونصرة القضايا العربية وتوحيد الوطن العربي وتحرير فلسطيين الذي عجزت عنه الاجيال السابقة
    فمن سيحرر القضية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: