اقتراح من أجل إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية وتصحيح التمثيل في أجواء الربيع العربي- مقالة جميل هلال

نشرت رؤية من أجل إعادة الوحدة إلى الشعب الفلسطيني وتقعيل آليات تمثيله في مناطقه المختلفة (مقالة جميل هلال العدد الأخير من مجلة “كلمن”). وهذا عرض لها مع بعض نقاش.

تنطلق مقالة جميل هلال من أن تطلعات الفلسطينيين في تقرير المصير والحرية والديمقراطية لا بدّ لها من إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية. وتنطلق الورقة أساسا من إيجاد تمثيل فلسطيني ديمقراطي ومناسب، من دون أن تدخل في نقاش الأهداف القصوى أو طرق بلوغها، وقد يكون في ذلك حسن نظر إذ أن هذه المواضيع تشكل على الدوام فتيل انشقاقات ومناكفات على أدق التفاصيل من دون إنجاز شيء، خصوصا في أجواء انشقاقية،. الإنطلاقة هي من إيجاد تمثيل سليم، أي أن الورقة تقترح أن مسار الشعب الفلسطيني ليس مختلفا عن أجواء “الربيع العربي” الوارد في عنوان المقالة على الرغم من خضوع كل فئة من الشعب الفلسطيني لظروف فيها اختلافات. تتجنب الورقة بذلك جدل دولة/دولتين، أشكال الكفاح المعتمدة، وكيف الطريق. ففي ذلك تتواضع أمام أن يحدد الفلسطينيون في مناطقهم المختلفة، وضمن إطار يجمعهم، هذه القضايا. أما الإنشغال بهذه القضايا، على أهميتها، من دون بديهية إصلاح التمثيل وجمع الفلسطينييين في إطار واحد ديمقراطي، فهو سيعزز فتيل الانشقاق وإصرار كل طرف على طريقه من دون التوافق مع الأطراف الأخرى.

لكن وضع جدل القضايا النهائية على الرف لا يعني أن القضايا تغيب ليجري، والحال كهذا، الاكتفاء بإيجاد تمثيل ديمقراطي وكأنه الحل السحري. فكل فئة فلسطينية في منطقة محددة لها قضية واضحة أو عدد من القضايا الأساسية. الفلسطينيون في أراضي العام 1967 لهم أولوية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتفكيك المستوطنات. الفلسطينيون داخل الخط الأخضر يخوضون معركة التصدي للتمييز العنصري الإسرائيلي في جوانبه الكثيرة (بما فيها العودة إلى بلداتهم وبيوتهم داخل الخط الأخضر) والاعتراف بهم كأقلية قومية وتكريس ذلك في نضالهم. الفلسطينيون في الشتات لديهم أولويات تتعلق بفك الحالة الأمنية عن المخيمات والحصول على حقوق مدنية ونيل حرياتهم. لا يعني أن القضايا منفصلة عن بعضها البعض، فنضال فلسطيني هنا يؤثر دائما في نضال هناك، كما أن الجميع يعلم أن مشكلته الأساسية هي في إسرائيل ومن خلفها من خلفها.

غير أن المقالة، على أهمية إيلائها مكانا رئيسيا لا بدّ منه لمسألة التمثيل، فإنها تؤجل الدخول في نقاشات مهمة في هذه المرحلة مثل احتمال اندلاع انتفاضة فلسطينية في أراضي العام 1967 المحتلة، وقد ناقشها جميل هلال في أماكن أخرى، أو كيفية تحرك فلسطيني الشتات واستعادة دورهم خصوصا بعد أحداث ذكرى النكبة الأخيرة التي أظهروا فيها وضوحا من ناحية تمسكهم بحق العودة، وعدم الاكتفاء بقضايا التمثيل. في الآن ذاته، فإن قضايا النضال الوطني إشكالية من دون وجود تمثيل فعلي، فقد تبيّن أن خوض نضال وطني في الشتات لا يمكن أن ينفصل عن التمثيل الديمقراطي فلسطينيا وعربيا، وكانت أحداث مخيم اليرموك خير ردّ على محاولة استغلال تنظيمات وأنظمة للنضحيات الفلسطينية والاستعداد للنضال الوطني في سبيل خدمة أنظمة قمعية.

والتمثيل الديمقراطي مع جمع الفلسطينيين هو الردّ على مشكلة تكرست في “اتفاق أوسلو”. تجادل المقالة عن حق أن أوسلو أعطى أولوية لفئة من الفلسطينيين على حساب الفئات الأخرى، وهي قضية إنهاء الاحتلال (عدا كيفية فعل ذلك أيضا)، وهنا أضعفت منظمة التحرير واستبطنت في السلطة الفلسطينية التي تحاول بسط نفوذها في منطقة محددة. وتشير المقالة إلى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية السابقة إذ تضمنت نوعا من تمثيل، على الرغم من غلبة لحركة فتح (وضمن نظام الكوتا الذي أنهك الحيوية)، وكانت المجلس الوطني الفلسطيني ينعقد باستمرار وتجري نقاشات مطولة بشأن القضايا الخلافية للوصول إلى توافق. وهو ما انتهى في آخر اجتماع شرعي في العام 1988.

في قضية التمثيل، تتابع المقالة، ينص ميثاق منظمة التحرير على الانتخاب المباشر، لكن هناك مشاكل عملية بحسب المكان. تقترح المقالة الانتخاب وتتساءل عن إمكانية استخدام الانترنت حيث يصعب ذلك. في أراضي العام 1967 يمكن فعل ذلك (ويمكن لإسرائيل أن تعطله). في داخل الخط الأخضر يحمل تمثيل الفلسطينيين في مجلس وطني خطرا فعليا عليهم (مثلا في ظلّ تصاعد الحديث عن ترانزفير جديد)، وهي إشكالية. الأردن الرسمي لا يسمح لمواطنية الأردنيين الفلسطينيين التعبير عن فلسطينيتهم، وهم مهددون بسحب الجنسية، فكيف يمكن أن يوافق على انتخابات فلسطينية لأعضاء مجلس وطني فلسطيني؟ وإذا ما استطردنا في متابعة ما تقوله المقالة فإن لبنان يبدو أهون الأماكن، وفي سورية لا بدّ بداية لأجواء ديمقراطية، لا استخبارتية، كي يتمكن الفلسطينيون من ممارسة أي انتخاب. وفي مصر صار يمكن الحديث عن انتخابات للفلسطينيين المقيمين فيها، إضافة إلى دول الشمال ودول العالم المختلفة. بيد أن المقالة لا تخصو أكثر في إشكاليات التفاصيل، وهي تحتاج إلى جهد فعلي في هذا المكان، وربما إلى الاستفادة من التجربة السابقة كما من تجارب عالمية.

وبكل الأحوال، فإن السلطة الفلسطينية تصبح تابعة لمنظمة التحرير، لا العكس، وتقترح المقالة أن تكون منظمة التحرير في الخارج كي تمتكل حرية أوسع من دون ضغوط إسرائيل وأن تتحول السلطة الفلسطينية إلى مهام “بلدية” كي تتحمل إسرائيل تبعة احتلالها.

لدى تشكل مثل هذا الإطار فإن نقاش القضايا الفلسطينية والاستراتيجيات يصبح متاحا بوجود توافقات في جسم واحد. ويصبح نقاش الوسائل، بما فيها الكفاح المسلح، مبنيا على توافق في أي بقعة وتحت أي استراتيجيات.

لا تحصر المقالة قضية التمثيل في منظمة التحرير الفلسطينية بل تدعو إلى تطبيق ذلك في كافة الأطر الفلسطينية من نقابات واتحادات، وخارج أطر المحاصصة المعهودة، فهي القواعد الشعبية الضرورية. كما أن التمثيل لا بدّ أن يكفل الحريات وحق التعبير عن الرأي. وهي تذهب أبعد من ذلك باقتراح مظلة “علمانية”، تسميها “مدنية” تخوفا من أي التباس، وتقول إن أجواء الربيع العربي تشجع على هذا الطرح خصوصا أن النقاش في مصر يتجه إلى تبني دولة مدنية، وفي تونس الحال أفضل حيث العمل على تبني دولة مدنية وثمة نقاش بشأن تخصيص 50% من مقاعد البرلمان للنساء أيضا.

أخيرا، تناقش المقالة خيارات إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية من داخل منظمة التحرير أو من خارجها، وتحدد خيارها بمنظمة التحرير لأربع أسباب على الرغم من جمود وترهل المنظمة حاليا: هناك إجماع وطني فلسطيني على إعادة بناء منظمة التحرير، وأي دعوة بديلة قد تسبب انشقاقا، وثانيا لمنظمة التحرير تراثا نضاليا، وثالثا ثمة إعتراف عربي ودولي واسع بمنظمة التحرير فليست العملية سهلة انتزاع اعتراف بجسم جديد، ورابعا لمنظمة التحرير ارتباط باتحادات ونقابات واطر شعبية هي قاعدة اساسية من أجل كفاح شعبي ومشاركة أوسع الفئات في النضال.

يبدو أن النقطة الأخيرة فيها حكمة. يقول مناضل سابق في الحركة الوطنية الفلسطينية إنه لدى انبثاق الحركة الوطنية في الخميسنيات والستينيات من القرن الماضي “كفر” هذا الجيل بذاك الذي يسبقه وحمله مسؤولية ضياع فلسطين. ولكن لاحقا تعلموا أن كفاحا هائلا قد خاضه الجيل السابق في ثورة العام 1936 وبعد ذلك وجرت تضحيات هائلة على الرغم من إشكاليات كثيرة، وانشقاقات عائلية حزبية واغتيالات أحيانا وغيرها من مواطن القصور.

هنا تقع الإشكالية، وهو ما لا توليه المقالة اهتماما كبيرا. في أجواء الربيع العربي ثمة شرخ يحصل بين جيلين. من ناحية، هذا الاندفاع الشبابي المتمرد هو ما ينتج ثورة. فثمة جيل جديد يقترب من “الكفر” بالجيل الذي يسبقه عدا استثناءات مهمة. من ناحية أخرى، يمكن لمثل هذه المشاعر أن تعزز الأجواء الانشقاقية التي يعيشها الفلسطينيون. وهنا يكمن التحدي في أن تكون المبادرات منفتحة، بنفس جديد يختلف عن أساليب عمل سائدة لدى التنظيمات تريد السيطرة والهيمنة، ومن دون إقصاء في الآن ذاته بل بتجميع الجهود.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: