تفاؤل في حجاب التشاؤم: دلال البزري تكتب عن النساء والثورات العربية

في العدد الجديد من مجلة “كلمن” التي تصدر في بيروت، كتبت دلال البزري عن النساء والثورة. يصعب لمن قرأ كتاب البزري السابق “مصر التي في خاطري”، الذي كتب قبل الثورة المصرية وصدر بعدها، إلا أن يظلّ الكتاب عالقا في رأسه وهو يقرأ مقالتها الجديدة.

بين كتاب البزري ومقالتها تشاؤم معتّق يصعب الفكاك عنه. كتابها متشائم ومقالتها ميّال إلى ذلك أيضا وإن وجدت فيه إضاءات. تنطلق من اقتباس الأديب المصري عز الدين شكري فشير يصف ميدان التحرير بعد أسبوع من رحيل مبارك “غريب (…) الميدان ممتلئ بمخلفات طعام وأكياس. اختفىا الشباب الذين كانوا يمرون حاملين أكياس جمع القمامة. اختفى المتظاهرون بلطفهم ونظامهم وموسيقاهم وفنونهم ولافتات الاحتجاج الذكية الدعابة. وحلّ محلهم هؤلاء المتجمهرون المتزاحمون الفظّو القلب والسلوك”. ومن هذا الاقتباس تعكس البزري رؤيتها لحال النساء بعد الثورة، ويخفت التراقص، التناقض، والأفق المفتوح للثورة. فالثورة هي محبذة لمشاركة الجميع بمن فيهن النساء، أما بعد الثورة فتصبح المسألة قضية سلطة فتختفي قضية المرأة مثلما تكتب البزري. 

في كتابها ذاتية تمثلت في ملاحظاتها لحال النساء خلال تجربة معيشتها  في مصر. مصر التي في خاطرها، مصر الستينيات وحال المرأة فيها، تختلف جذريا عن مصر التي عايشتها بين ضفتي الألفية الجديدة. في مصر الجديدة، قبل الثورة، تنوع نسائي داخل الحجاب، التحرش الجنسي في الشوارع وفي كل مكان، وإحساس المرأة الدائم بأنها محاصرة وفي موقع دفاع عن النفس.

في مصر “المقالة” الجديدة بعد الثورة، ثمة دقة في تسجيل السلبيات وإحصائها مما تتعرض له المرأة، تخترق هذه الصورة نسوية بارزة في الثورة. بحسب المقالة، الصراع في مصر هو بين ثلاثة تيارات اثنان منها لا يكترثان بالمرأة: التيار الإسلامي والعسكر، والثالث- ما تسميه التيار الليبرالي- منشغل بالصراع على السلطة ولا تحضر المرأة كقضية في أجندات عشرات المجموعات الجديدة التي انبثقت. وسط هذه الصورة المتشائمة، ثمة إضاءات نسوية هنا وهناك: مشاركة النساء الفاعلة في الثورة (نحو ثلث المشاركة) وكن بشجاعة الرجال بما فيها الدعوة البارزة لأسماء محفوظ التي دعت الرجال قبل النساء للتظاهر قبيل الثورة، الاختلاط في الميادين من دون حالات تحرش في قاهرة التحرش، بحسب البزري، وغيرها القليل.

في تونس، الأمر ليس مختلفا كثيرا إلا باختلاف “تراث البورقيبية” التقدمي ووجود تراث نسوي، كما تكتب البزري. النساء كن مشاركات بالنسبة الأعلى مقارنة ببقية الثورات العربية. ولكنهن بعد الثورة يتعرضن للمصاعب. المقالة لم تلحظ أن تونس تتجه إلى إقرار نسبة عالية للنساء ما بعد الثورة، لكن الزري تبقي سؤال الثورة والنساء التونسي مفتوحا.

مع إيراد إيجابيات مشاركة النساء في الثورة اليمنية، وفعالية توكل كرمان صاحبة فكرة المجلس الانتقالي الليبي، ونسبة مشاركة النساء لم تتجاوز 10% (غالبا منفصلات عن الرجال ومنقبات إلا في تعز مثلا) تنهي فقرة اليمن بالقول “اليمن حكمته نساء في تاريخه القديم [قبل آلاف السنين..]. على رأسهن الملكة بلقيس والملكة أروى. ولكنه الآن واقع تحت تأثير البنى القبلية والأحزاب الدينية التي من مقوماتها إعادة النساء إلى “المنزل” و”المطبخ”.

الأمر متشابه في قفلتها للثورة الليبية التي أطلقت شراراتها نساء السجناء السياسيين، وبرزت فيها بعض النساء ومنها جرأة إيمان العبيدي التي فضحت اغتصابها علنا (فكرست صفحة “كلنا إيمان العبيدي” على غرار صفحة “كلنا خالد سعيد” في مصر)، وذلك بعد انكفائهن بسبب تسلح الثورة، فتنهي الجزء الليبي بالقول “العنف الجنسي يطغى على عقول الليبيين والليبيات”.

منذ الثورة السورية، تبدأ المقالة تأخذ بعدا حواريا أكبر. لا نعرف السبب تماما. ربما لأن دلال البزري تركز على موضوع النساء في كتابها من خلال مدى الوصول إلى مراكز قيادية. في سورية، مثل ليبيا، النساء أطلقن شرارة الثورة. في سورية 51 شهيدة (في مصر الشهيدة سلوان وفي اليمن شهيدة بالخطأ)، وثمة نساء قياديات مثل رزان زيتونة في لجان الثورة، وثمة كاتبات وإعلاميات رئيسيات في إعلام الثورة، سجن سابقا، مثل سهير الأتاسي وسمر يزبك، عدا المدونة طلّ الملوحي. الإختلاط يحضر بشكل بارز في دمشق، وعلى العموم لا يشكل النساء أكثر من نسبة 10% مع عنف شرس (يوم الأحد مثلا 31 قتيلا).

تنهي البزري مقالتها بشكل مفتوح. تقول إن معظم المجيبات على أسئلتها قلن أن المقارنة بين فترة الأنظمة الديمتاتورية وفترة الثورات هي لمصلحة الفترة الثورية. وتقول إنه من الواضح أن الثورات العربية خلفت حوافز للمشاركة السياسية، لكن المرحلة الانتقالية تثبط هذه الحوافز لكن النساء يقاومنه. وفي التشابك بين الشقين الأهلي والمدني الذي تتحرك فيه النساء “لن يبقي الأوراق منفصلة تماما. بل سوف يتوسل ابتداعا لأشكال من المشاركة السياسية تتميز عن تلك التي تنسخ التجارب الحداثية الغربية نسخا تاما”.

نقد البزري مهم للثورات وللحركات الجديدة لتتنبه لواحدة من أكثر المواضيع عرضة للتسلط في المجتمعات العربية إن لم تكن أكبرها: المرأة. قد يخفف النفس الأكثر تفاؤلا لجيل جديد ثوري من النفس المتشائم لنقد البزري.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: