جدل الانتخابات التونسية

رأي نهلة شهال

استثنائياً، إذ تجاوزت المشاركة، بحسب التقديرات الدنيا، نسبة الثمانين في المئة من مجموع الناخبين. وهذا يجعل المجلس المنتخب تمثيلياً بحق، ويمكن لأعضائه الـ217 الارتكاز الى شرعية لا يُطعن بها. بل إن الاعتراضات التي سُجلت على سير الانتخابات هي من الثانوية بحيث تعزز هذه النتيجة، كما يعززها عنصر في غاية الاهمية لم يُلتفت اليه كفاية، وهو إشراف هيئة عليا مستقلة عليها، وليس وزارة الداخلية كما هو معهود. يضاف الى ذلك وجود كمال الجندوبي على رأس تلك الهيئة، وهو مناضل أولاً وأخيراً. وبصفته تلك، فهو شخصية عامة تونسية تحوز على توافق عام حول صدقيتها، وقد أمضى الرجل جزءاً كبيراً من حياته في المنفى وملاحقاً بسبب تصديه للعسف وتمسكه بحقوق الانسان

والمجلس التأسيسي، كأعلى هيئة سيادية في البلاد خلال الفترة المقبلة، سيؤلف الحكومة الجديدة المؤقتة وسيشرف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، كما سيعد لتونس دستورها الجديد. وينهي انتخاب هذا المجلس حالة من إدارة البلاد بعد سقوط بن علي، قامت على ايجاد توافقات رجراجة، تُعقد في الممرات الخلفية لهيئات ومراكز قوى، منها مؤسسة الجيش والاحزاب السياسية الرئيسية والنقابات، وما يمكن تسميته المزاج الشعبي العام الذي يصعب تقديره، ناهيك بضبطه. وكان تقاطع تلك الارادات ينتج وزارات سرعان ما يجري الطعن بتشكيلها وممارساتها ونواياها، فيما هي ضعيفة لا تستند لأي شرعية. ولتلك الاسباب، فقد واكبتها «هيئة حماية الثورة» التي شُكلت بالتوافق وليس بالانتخاب. ورغم السعي لتوسيع تمثيليتها وفق مقاييس واقعية، فهي الأخرى لم تكن تمتلك أسساً لشرعية متينة، وكان يمكن بسهولة التشكيك في تشكيلتها أصلاً (كالقول إنها تغلِّب وجوهاً قوية برزت في الحقبة الماضية، اثناء حكم بن علي، لأنها كانت تتعرض لقمع أقل، ولأنها كانت تجد سنداً لها في المجال السياسي الفرنسي، حيث أكبر الجاليات التونسية المهاجرة، وحيث هيئات وأحزاب أوروبية تتلاقى معها).
وبانتخاب المجلس التأسيسي بالتصويت العام ووفق قاعدة النسبية، ينتهي كل ذلك الاستنساب، وتضع تونس نفسها على بداية طريق الخيارات الكبرى، تلك التي ستتشكَّل بناء عليها مؤسسات الدولة والقانون، والنهج الاقتصادي والتنموي للبلاد، وتعيين الاولويات الاجتماعية. وبحصول حركة النهضة الاسلامية على ما يقرب من 40 في المئة من الاصوات ـ ما يمنحها ثقلاً أكيداً وليس هيمنة ـ يتضاعف التحدي القائم، وتتشابك خيوطه مع تلك العائدة الى إشكاليات أخرى تتعلق بالإسلام الحداثي الذي تعتد به النهضة، مما بات على المحك وليس فحسب مطروحاً بطريقة افتراضية.
وبغض النظر عن صواب مضمون مبدأ المناصفة في اللوائح بين النساء والرجال أو قسريته، الذي اتخذته هيئة حماية الثورة ووافقت عليه بلا تحفظ حركة النهضة (ولولا ذلك لما أمكن اتخاذه)، فإن واحدة من النواقص الذاتية للعملية الانتخابية يتمثل في الالتفاف الذي جرى عليه. فليس هناك إلا سبعة في المئة من اللوائح الـ1519 ترأسها امرأة، أي تقف في موقع النجاح المؤكد، مما يؤثر على تركيبة المجلس في هذه الناحية باعتبار النظام النسبي. ولكن فلا بد من تسجيل أن نصف المرشحين الـ11 الفاً هم من النساء، مما يمثل خطوة هائلة في اشتراك النساء في الحياة العامة، حيث انخرطت المرشحات في الندوات وخضن المحاجات، متقدمات من مجتمعهن كمشارِكات في قيادة مرحلة التغيير. ومن المعلوم أن مسألة الموقف من المرأة تمتلك حساسية مرضية، وتستنفر الغرائز (رغم أن واقع النساء الفعلي قد تخطى تماماً تلك الترهات)، وهي لذلك كشَّاف حاسم للعقليات السائدة.
وفي تزامن مع الحدث التونسي، وحده التاريخ يمتلك أسرار مصادفاته، ابتدأت ليبيا مرحلتها الجديدة بقتل القذافي بعد أسره، مما أتاح للمجلس الانتقالي الليبي إعلان انتصار الثورة رسمياً و«تحرير» البلاد. كما أعلن حلف الناتو عن اتخاذه قراراً رسمياً بإنهاء عملياته في ليبيا، يفترض أن يدخل في التطبيق مع نهاية هذا الشهر، بينما مصير الوجود الاطلسي ذاته ما زال ضبابياً، وغير مرشح للاختفاء. وبعيداً عن الروايات التآمرية التي تقول إن أمراً صدر بتنفيذ إعدام فوري للقذافي من دوائر عليا (قد تكون غربية) تخلصاً مما قد يكشف لو تمت محاكمته، وعلى فرض صحة العفوية والحماسة وراء ما جرى، فمن اللافت أن المجلس الانتقالي لم يتمكن (أو يشأ) التعامل مع واقعة بشعة متمادية هي رمي جثة الرجل وابنه لأيام متتالية على أرضية براد لتخزين اللحوم، وعرضها للعامة يتحلقون حولها راقصين هازجين مصدرين إشارات بذيئة. وكان المشهد المتسم ببدائية همجية لم ينقطع بعدُ حين أعلن مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي الليبي، في الاحتفال المركزي بالتحرير من بنغازي يوم الاحد الفائت، أنه على الليبيين أن يتجهوا من الآن وصاعداً نحو التسامح والالفة! كما لم يجد عبد الجليل في خطابه ذاك أفضل من تعدد الزوجات يضرب به مثلا على العودة الى اعتماد الشرع. بل أعلن في دفعة واحدة مع الترقيات والمنح، انتهاء العمل بالقانون المانع للتعدد، معبراً ليس فحسب عن تعسف في التعاطي مع القوانين إلغاءً وتنزيلاً، بل عن اضطراب في إدراك وتعيين الاولويات في بلد يعاني من مشكلات لا حصر لها، علاوة على انحياز مسبق للتأويل المغرق في الرجعية للشرع نفسه.
هاجس الكلام هو تعيين الحد الفاصل بين أن تكون ثائراً أو تكون مستبداً وحتى قاتلاً، مثلك مثل من ثرت عليهم! وفي كل عمل ثوري بعدٌ «بيداغوجي» أكيد، من الخطير على مصير الثورة نفسها تجاهله أو الاستخفاف به. ومن الأخطر الميل ـ كما هو جار، وليس في ليبيا وحدها ـ إلى مراعاة وتفهم نوازع «الرعاع» وسلوكياتهم، كما يقال بلهجة تسامحية… كاذبة، لأن هذا الموقف يعبر في الحقيقة عن تعالٍ، سيكون واحداً من أسس الانحرافات التي تتربص بكل ثورة.
وعلى أية حال، وبغض النظر عن المقارنة والتضاد، تطوي تلك الاحداث حقبة من تاريخ البلدين، حاملة إياهما إلى مرحلة جديدة من الصراع. للقول إن الثورة لا «تنتهي»، ولا يمكن الاطمئنان الى تكريس نجاحها بفضل ضربة قاضية مهما كانت. بل هي تعريفاً عملية دائمة، قد تمر بلحظات نجاح مبهر (يراها البعض هزائم له ولنهجه ومصالحه)، وقد تنتكس أحياناً بالارتداد الى حقبة سبقتها، وقد تستولد أشرارها ومستبديها، وقد تكرس مصالح شرائح جديدة تختلف بالاسم عمن ثارت عليهم في البداية.
فما المقياس إذاً، لكي لا تسود حالة من السينيكية أو العدمية، تجهض الثورات من قبل أن تقوم، أو تساهم في تعثرها؟ تشكل الاجابة هاهنا واحدة من أبرز تحديات كل عمل ثوري أو تغييري. ولعله يمكن، وبقلق، تسجيل عدم الالتفات إليه من قبل الثورات الجارية. فلم تبلور الاحزاب السياسية تصوراتها العامة لما تريده لمجتمعاتها، ومالت الى تغليب المنحى العملي على وجودها ونشاطها، والى اعتماد خطاب يرافق هذا المنحى (ولا يضبطه، يتسم بكثير من الديماغوجيا بما هي ملاقاة الوعي العام كما تفترضه (وهي احياناً تخطئ التقدير: انظر هزيمة الحزب الديموقراطي التقدمي التونسي). ويحدث ذلك كسلاً أو اعتماداً للسهولة والسلامة والكسب السريع، أو لأن تلك القوى، وبغض النظر عن انحيازاتها الفكرية، تعاني من قصور بنيوي لم يواجَه بما يستحق من كشف ومعالجة. وكذلك حال المثقفين. فيمكن في السياق نفسه تسجيل انعدام انتاج أي نص تحليلي يتجاوز تفسير الاحداث أو التعليق عليها، ليقدم هو الآخر رؤيا عامة لما يجري وتصوراً للمستقبل. وحتى حين يلامس البعض مثل هذه السوية، فإن قوة السائد تبتلع النص.
ولعل التجربة التونسية تثير ذلك الجدل وما سيبلوره من تصورات ومقاييس تلهم سائر التجارب أو تدفعها بالضرورة للتموضع بالنسبة لها أو بالتضاد معها. لعلها تشكل نقطة بدء.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: