شجرة خائفة

 قصة

اقتحمت الجرذان بيتي رغم كل التحصينات والاحتياطات التي اتحذتها بإحكان إغلاق النوافذ والأبواب، فخرجت من المصرف. خرجت بدوري من باب البيت، كلي قرف، وسرت في الليل البارد وكانت البنايات ترتعد. حسبت أن ذلك بسبب العاصفة وبردها ورعدها، لكن بناية الأحلام قالت لي: أنا خائفة.

استغربت وسألتها: ولكنك شامخة، مبنية من أقوى الترسانة، محاطة بالأسوار والحرّاس، يسكنك أهم شخصيات البلد، والطائرات التي تحط في المدينة تهبط أنظارها عليك أولا قبل أن تهبط في المطار، وحتى البحر هو في خدمتك.

لكنها أجابت: أنا خائفة خائفة. الأرض تحتي، وخلطات الاسمنت المقوّى، مجبولة بالخوف. اسأل المهندس الذي عمرني، كان خائفا من أن كل صفقة الأرض والبناء أن تكشف أو أن يقوم المقاول الآخر بسرقة كل شيء. اسأل العامل الذي بناني حجرة حجرة، كان خائفا من أن يرمى في الشارع بلا عمل بخس. اسأل ملاكيي فهم يخافون من أن تنافسهم بناية أزهى مني. اسأل البحر أمامي فهو يخاف من مجاريري. اسأل النساء اللواتي تطلنّ عليّ مرة في السنة قادمات من غربتهن، يخافون من العمر وأزواجهن الأغنياء أن يتزوجوا امرأة أخرى في بناية أشمخ مني ويسكنون هناك مع عشيقاتهم ويتركونني في بناية الأحلام. اسأل الخادمات من كل بلاد العالم التاسع اللواتي يقفن على بلاكيني وكأنهن يتأملن البحر؛ إنهن يفكرن بالقفز ليس في البحر بل إلى الشارع.

فهرعت إلى صديق. كان صديقي خائفا من مصارحتي. واكتشفت باختصار شديد أنه خائف أيضا لأنه يشعر بأنه بدأ يحب امرأة أخرى غير زوجته التي يتململ من تسربلها بجُبنها من كل شيء بما فيه حتى إعلان اسميهما على لوحة الانترفون. والأولاد يخافون من أهلهم، والأب والأم يخافون على أولادهم، وأبناؤه يخافون من أساتذتهم وأساتذتهم يخافون من التلاميذ، وامرأته تغار من “السيرلانكية” الجميلة والخادمة تخاف من “المدام”.

قلت أن هذه بلد لا تستحق أن تتجرأ فيه، لا أن تغامر فيه ولا أن تصل إلى أعماق نفسك، والدليل على ذلك أن لا ثورة فيها. فقررت أن أذهب إلى بلاد الثورات. ورأسا توجهت إلى المطار من دون التخوف من ألا أجد طائرة متجهة مباشرة إلى القاهرة. وفعلا اشتريت تذكرة وجلست في المقعد الأخير من الطائرة. وتوجهت رأسا إلى ميدان التحرير علّي أحدث ثائرا أو ثائرة بما يجري في بلادنا، بل أتحدث معهم بصراحة أني لا أريد أن أخاف من شيء حتى من هراوات الأمن وبساطيرهم. أريد أن أهتف من داخلي، أريد أن أثور على نفسي وعلى خوفي. والتقيت بصبية جميلة تهتف “فليسقط يسقط حكم العسكر”، فتدافعت بين حلقة الشباب حولها لأصلها، وكانوا ينظرون إليّ نظرات ملؤها الشك. ووصلت إليها وعرفت عن تفسي أني قادم مباشرة من المطار وهناك أمر مهم أريد أن أتحدث به إليك. أنزلت اليافطة التي تحملها، وتزاحمنا بين الثوّار متجنبة الأيادي والأحضان التي تلتصق بها بعفوية.

جلسنا على حافة الرصيف وقلت لها قصتي وكانت لا تزال الرعشة في يدي اليمنى. فقالت لي: ولا تهتم، نحن نعيش الأمر ذاته. نحن الثوّار غير قادرين على الائتلاف وكلنا ينافس كلنا، ونخاف من الإخوان المسلمين أن يسرقوا ثورة الحرية، والإخوان المسلمون يخافون منا أن نسرق حصتهم من المجتمع المتديّن بعد عقود كدّهم وتعبهم على تربية المجتمع، وكلانا يخاف من الطنطاوي، والطنطاوي يخاف من أوباما، وأوباما يخاف من الكونغرس، والكونغرس يخاف من الصين، والصين خائفة من منافسة أحذية الكاوشوك التي تصنع في ناميبيا. فقاطعتها بحزم، وقلت لها هنا ثورة ولا يمكن أن تخافوا. قالت لي: لا وألف لا، نحن نصف ثورة، ولم تكتمل ثورتنا. قلت لها: ولكن ما فعلته علياء المهدي بتعريها يثبت أنكم في ثورة حقيقية تصل جرأتها إلى الجسد. حينها تجهمت وبدأت بالصراخ: ولكن من هي هذه العلياء؟! تخيفني مثل هذه الحركات. والمجتمع يرفض ما فعلته وعدّدت لي المحاكمة التي تنتظرها وصفحة الفيسبوك بألف معجب الذين يطالبون بإعدامها والثّوار مستاؤون منها. وقالت لي إذا كانت هذه هي الحرية التي تبحث عنها فاذهب إلى إسرائيل حيث تضامن معها 40 إسرائيلية تعرين. وتركتني على الرصيف وذهبت غاضبة.

نزعت خوفي أكثر فأكثر، وقررت التواصل، فذهبت إلى مقهى انترنت وبحثت عن صفحة فيسبوك لإحدى الإسرائيليات المتعريات، ووجدت واحدة منهن؟ وصرت صديق فيسبوك لها. وقلت لها ما يجري بصراحة، فتفهمتني ودعتني للإقامة عندهم. فسألتها بعفوية وزلّ لساني وأنا استخدم اللغة التي اعتدنا عليها: ولكن كيف أدخل إلى فلسطين المغتصبة؟ فقالت لي أنني أفعل مثلما فعل ثوار مصريون هاجموا علياء بحجة أن سميرة التي اغتصبتها أصابع العسكر أثناء احتجازها وقت الثورة، وللكشف عن عذريتها، لم تنل اهتماما مثلها مثل علياء المتعرية. فعدت إلى صوابي بحسرة، بينما كانت ؟ تجذبني قبل ذلك بدفء جرأتها، وأجبتها: لكن علياء قضية حرية، وهي تدافع عن سميرة ولا تتنكر لقضية حريتها. فمحتني مياشرة من عناوين أصدقائها. شعرت بالسخرية وأنا أفكر بمقطع الأغنية كما يحلو لي: بين ريتا وعيوني مدوّنة.

قلت لا بدّ من أن الثورة السورية هي ثورة مكتملة، وليست مثل مصر. فتوجهت مباشرة إلى دمشق، ومنها استقليت باص متوجها إلى إدلب لأصل إلى بلدة كفرنبل الشهيرة بشعاراتها الجريئة. وفي الطريق تحادثت مع راكب وقال بصوت منخفض بالكاد سمعته أنه مع الثورة ولكنه يشعر أن من قضوا في الثورة هم من يستحقون حياة بلا خوف. تابعت طريقي للقاء مع الثوار الذين أحببتهم في كفرنبل وكلي أمل أن ألتحم بهم. ولدى وصول الباص إلى ساحة كفرنبل نزلت لوحدي، ولم يكن هناك أحد في الشوارع سوى رجال الأمن في كل مكان. فتوجهت إلى البلدية. الباب كان مغلقا.  

استدرت، ركضت وصرخت.

صرت عاصفة تمدّ ذراعيها. وجدت شجرة تمدّ ذراعيها. شجرة كل ورقة فيها تتغنى بنفسها. احتضنتني في اندفاعي. هي التي فهمت علي وأحست بي في هذه الوحدة. فسألتها مباشرة: أين الناس؟ فقالت لي إن الشباب معتقلون ورئيس البلدية مختفي منذ أن عذبه الجيش. فلم أجد في نفسي ما أقوله سوى: تعالي معي، فردّت أنها خائفة.

– من ماذا؟ّ!

– أنا خائفة لأن عاصفة الشتاء جاءت متسرعة في فصل الخريف، خاف الخريف فارتجف الربيع، وكل الفصول خائفة من بعضها البعض.

لم أشعر بالخوف. لكني شعرت ببرد ينزّ من عظامي ويجمّد روحي المشتعلة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: