مشاغبة على الجو الثقافي السائد في لبنان

رأي

في استرجاع لجانب من التاريخ في لبنان في ضوء الثورة السورية والثورات العربية التي تريد إسقاط الأنظمة، تقول وجهة نظر تشاغب على الأجواء الثقافية السائدة حاليا في لبنان بما فيها طيف واسع من فنانين ومثقفين وكثير من القصف الإعلامي، إن “الكتائب اللبنانية” كحزب خسرت بالمحصلة الحرب اللبنانية، والنظام السوري انسحب من لبنان، لكن أيديولوجيتهما انتصرت في لبنان وتقمصتها تيارات مختلفة منها تيارات تصف نفسها باليسارية والعروبية والتقدمية وأخرى بالليبرالية.

حمى النظام الأسدي “الكتائب” الطائفية، وبما مثلته من قيم النظام المهيمن في لبنان آنذاك، من الهزيمة أمام مدّ الحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية (وقد حاولت قيادة الأخيرة تفادي الحرب في البداية لكنها لم تمتلك مناعة كافية أمام استفزازات عسكرية مستمرة عمرها عقدين من الهيمنة الأمنية الشوفينية للنظام اللبناني الحاكم يتخلله قصف مخيمات ومحاولة اقتحامها في السنوات الأخيرة). فدخل الجيش النظامي السوري إلى لبنان وافتتح دخوله بحصار مخيم تل الزعتر واغتيال كمال جنبلاط وعدد من الكوادر الوطنية.

كان من حق الأحرار اللبنانييين الاعتراض على النظام الطائفي التاريخي في لبنان، وحلموا بأن الطائفية ليست قدرا. وساعدهم توسع الاحتجاج الاجتماعي والنقابي في الستينيات والسبعينيات، بين الطلاب والعمال والصيادين مثلا، جنبا إلى جنب صعود المقاومة الفسطينية على تصديق الحلم وتحويله إلى واقع. كانت الحركة الوطنية اللبنانية تريد إصلاح النظام السياسي بأخذ مسافة من الطائفية والمنطق الأقلوي اقتصاديا وسياسيا. لكن ممثلي النظام الطائفي لم يكونوا ليتنازلوا عن امتيازاتهم.

الجانب الأساسي من الحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير لم يكونا طائفيين في البداية قبل أن تتدرج الحرب الأهلية إلى هذا المنطق مع إصرار الكتائب على المنطق الدموي الطائفي لنحو سنة ونصف السنة، ثم بدأت الأطراف المتحاربة تدخل في منطق ردود الفعل والمجازر مهما كانت درجة كل منها متفاوتة، وكرس النظام الأسدي (الطائفي منذ البداية) قيم اليمين الشوفيني والطائفية في لبنان مع خطاب منافق معاكس، كعادته، فكان في هذه الانقسامات هيمنة له، وكرس هذا النظام تهميش القيم التحررية اللبنانية وهمّش الفلسطينيين بكل المستويات لأن تمثيلاتهم السياسية بمجملها رفضت أن تكون تابعة له (باستثناء حفنة)، وكان لذلك ارتدادته اللاحقة على سورية وقواها الوطنية فتابعت الطائفية والمجازر سيرها إلى حماة وحلب وإدلب بعد سنوات وقصى النظام على الحركة الوطنية السورية وركعها في السجون.

لذلك، فإن “الليبرالية” اللبنانية السائدة مقززة إنسانيا وسياسيا، وهي عموما تستبطن عداء دفينا للفلسطينيين كشعب وقضية (وإن تستخدم لغة إنسانية هنا وهناك)، بعدما استبطنت عداء دفينا للسوريين كشعب (تصحو منه الآن)، فهي مصابة بلوثة “الكتائب” والنظام الأسدي معا وتحتاج للكثير للتخلص من آثار هذه الفاشية.

وجهة النظر هذه تقول إن المهمة باتت أصعب الأن لتغيير النظام في لبنان، فالحرب الأهلية التي صارت طائفية اجتاحت من القيم ما اجتاحت، والطائفية تكرست أكثر من السابق، ولم يعد ممكنا تجاهل مآسيها وذاكرتها لتأسيس مستقبل مختلف، كما أن هيمنة للنظام السوري خلال الحرب وما بعدها لثلاثة عقود كاملة كفيل لوحده بتدمير شامل، لكن الحلم لا ينتهي خصوصا مع رؤية هذا النظام الأسدي يتهاوى ليفتح أفقا مختلفا.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: